سعيد بن محمد المعافري السرقسطي ( ابن الحداد )
4
كتاب الأفعال
وقد كان اختيار النحاة العرب المصطلح « فعل » لهذا الجزء من الجملة اختيارا موفقا ، وهو لا شك اختيار مستوحى من معناه ووظيفته في اللغة ، فهو - كما أشرت - مصدر الفعل والنشاط والحياة في التعبير . وشبيه بهذا التوفيق في اختيار مصطلح ذي إيحاء لمعنى هذا اللفظ النحوي ، أي « الفعل » ، المصطلح الذي تستعمله له اللغات الأوربية جميعها ، وهو لفظ ( Verp ) و ( Verpe ) المستعار من اللفظ اللاتيني ( Verpuw ) ، ومعناه « الكلمة » . كأن وظيفة « الفعل » في الجملة هي « الكلمة المعبرة » ، هي اللفظة المؤدية لأهم معنى في الجملة . وهنا أشعر بميل للمجازفة بهذه الدعوى : وهي أن الجملة الاسمية التي يقتصر عليها التعبير في اللغات الهندية الأوربية ( فليس في هذه اللغات ما يقابل الجملة الفعلية في اللغات السامية ) ليست في جوهرها وأدائها إلا جملة فعلية ذات ترتيب خاص في وضع ألفاظها ، بحيث لا يبدأ فيها بالفعل ، ولكنها لا تستغنى أبدا عن الفعل في مناط الإسناد ، حتى في أبسط صورها ، عندما يكون مناط الإسناد هو مجرد فعل الكينونة ، أو ما يسمى في اصطلاحنا النحوي « الكون العام » . ونظرا لأهمية هذا الجزء من التركيب اللغوي ، أي الجملة ، وهو « الفعل » ، قد اهتم به علماء اللغة والنحو في جميع اللغات ، حصرا وتوضيحا ، وجدولة ، وتأليفا . ولكل لغة مواضع اهتمامها بضبط « الأفعال » فيها ، من حيث اشتقاقها ، وتصريفاتها ، وما هو مطرد منها على نسق واحد ( وهو قليل في معظم اللغات ) ، وما هو غير مطرد على قياس ، بل يختلف اختلافا قليلا أو كثيرا عن القياس ، وما هو شاذ شذوذا كاملا . وطلاب اللغات ، من أهلها ومن غيرهم ، يجدون أن أهم صعوبة تواجههم هي إتقان صيغ الأفعال وتصريفاتها . وحسبي أن أشير - تمثيلا لا حصرا - إلى الجداول